الشوكاني
84
فتح القدير
المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم ، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور ( وسبح بحمده ) أي نزهه عن صفات النقصان ، وقيل معنى سبح صل ، والصلاة تسمى تسبيحا ( وكفى به بذنوب عباده خبيرا ) أي حسبك ، وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك : كفى بالله ربا ، والخبير المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شئ ، ثم زاد في المبالغة ، فقال ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ) قد تقدم تفسير هذا في الأعراف ، والموصول في محل جر على أنه صفة للحي ، وقال بينهما ولم يقل بينهن لأنه أراد النوعين ، كما قال القطامي : ألم يحزنك أن جبال قيس * وتغلب قد تباتتا انقطاعا فإن قيل يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض كما تفيده ثم ، فيقال إن كلمة ثم لم تدخل على خلق العرش بل على رفعه على السماوات والأرض ، والرحمن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو صفة أخرى للحي ، وقد قرأه الجمهور بالرفع ، وقيل يجوز أن يكون بدلا من الضمير في استوى ، أو يكون مبتدأ وخبره الجملة : أي فاسأل على رأي الأخفش ، كما في قول الشاعر : * وقائلة خولان فانكح فتاتهم * وقرأ زيد ابن علي " الرحمن " بالجر على أنه نعت للحي أو للموصول ( فاسأل به خبيرا ) الضمير في به يعود إلى ما ذكر من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش . والمعنى : فاسأل بتفاصيل ما ذكر إجمالا من هذه الأمور . وقال الزجاج والأخفش : الباء بمعنى عن : أي فاسأل عنه ، كقوله - سأل سائل بعذاب واقع - ، وقول امرئ القيس : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلم وقال امرؤ القيس : فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب والمراد بالخبير الله سبحانه لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو ، ومن هذا قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد : أي للقيك بلقائك إياه الأسد ، فخبيرا منتصب على المفعولية ، أو على الحال المؤكدة ، واستضعف الحالية أبو البقاء فقال : يضعف أن يكون خبيرا حالا من فاعل اسأل ، لأن الخبير لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله - وهو الحق مصدقا - قال : ويجوز أن يكون حالا من الرحمن إذا رفعته باستوى . وقال ابن جرير : يجوز أن تكون الباء في به زائدة . والمعنى : فاسأله حال كونه خبيرا . وقيل قوله به يجري مجرى القسم كقوله - واتقوا الله الذي تساءلون به - والوجه الأول أقرب هذه الوجوه ، ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ) قال المفسرون : إنهم قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة . قال الزجاج : الرحمن اسم من أسماء الله ، فلما سمعوه أنكروا فقالوا وما الرحمن ( أنسجد لما تأمرنا ) والاستفهام للإنكار : أي لا نسجد للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له ، ومن قرأ بالتحتية فالمعنى : أنسجد لما يأمرنا محمد بالسجود له . وقد قرأ المدنيون والبصريون ( لما تأمرنا ) بالفوقية ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي بالتحتية . قال أبو عبيد : يعنون الرحمن . قال النحاس : وليس يجب أن يتأول على الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد ، ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم اسجدوا لما يأمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتصح القراءة على هذا ، وإن كانت الأولى أبين ( وزادهم نفورا ) أي زادهم الأمر بالسجود نفورا عن الدين وبعد عنه ، وقيل زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان ، كذا قال مقاتل ، والأول أولى . ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) المراد بالبروج بروج